العالمليبيا

في حوار خاص: ستفني ويليمز تتحدث عن المرتزقة والبعثة ومستقبل ليبيا


على الرغم من خروجها من المشهد الليبي بشكل رسمي لاتزال الدبلوماسية الأمريكية ستفني ويليمز، حاضرة في كل تفاصيل العملية السياسية التي ما لبثت أن تشهد مستجدات ومتغيرات يومية، كيف لا وهي من وضعت آخر النقاط وأشرفت على تفاصيل اتفاق جنيف الذي مثل محطة مفصلية من محاطات خارطة الطريق التي وضعت إلى جانب “سلفها” غسان سلامة تفاصيلها، وحددت مساراتها بل ومارست بكل ما أوتيت من مهارات للخروج بها إلى ما نتج عنه من مستجدات كان أبرزها ولادة السلطة التنفيذية والسيادية الجديدة.

وكما أنها لاتزال حاضرة في المشهد فأنها بالضرورة لديها ما تقول تعليقا وتقييما لما يدور اليوم في البلاد التي مارست فيها الدبلوماسية كما لم يمارسها غيرها، فقد دخلتها كنائبة لسفير بلادها وخرجت منها وهي رئيس للبعثة الأممية وممثلة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة، وقد أجرى معها الصحفي مصطفى الفيتوري، حوارا مطولا خص بوابة افريقيا الإخبارية بنشره في نسخته العربية، والذي قدم له بالآتي: 

“في 23 مايو أجريت حوارا مطولا مع السيدة ستفني ويليمز القائم بأعمال البعثة الأممية للدعم في ليبيا  أستغرق أكثر من ساعتين. ولأسباب تخصها أعترضت السيدة ويليمز لاحقا على نشر فيديو الحوار. ولأسباب مهنية وأخلاقية لا يمكنني رفض طلبها مع العلم إنها تعرف أنني كنت أنوي نشره ولكن ربما أساءت فهم الأمر. هنا أهم الأسئلة بعد أن ترجمتها بالعربية. شكري وتقديري لها على رحابة صدرها و وقتها ايضا.”

لماذا تعتقدين أن هناك أمل لليبيا للخروج من الأزمة؟

بصراحة أعتقد أن هناك أمل بالتأكيد. في تقييمنا للوضع درسنا الفترة التي قضيناها في ليبيا والعنف المدمر الذي شهدناه في تلك الفترة. الحقيقة أن الليبيين ولأول مرة منذ سنوات يحيون شهر رمضان [الماضي] في   هدوء نسبي وسلام وتمكنوا من الإلتقاء مع أسرهم وحقيقة أن لدهم الآن حكومة موحدة للمرة الأولى منذ سبع سنوات, كما أعتقد أن هنالك زخم سياسي داخلي جاد وتعبير واضح عن رغبة الشعب في استمرار العملية السياسية حتى بلوغ الإنتخابات العامة. كل ذلك يجعلنا نعتقد بوجود أمل.

عبرتي أنت وغسان سلامة في مقالة لكما مؤخرا عن خلفية وجود السيد حفتر في برلين وعدم انضمامه إلى الأجتماع الدولي بخصوص ليبيا الذي عقد في يناير من العام الماضي ولكنه لم يحضر فما خلفيات الموضوع؟

لا أدري ما الذي منع السيد حفتر من الحضور إلى مكان الأجتماع وعليك سؤاله هو. على العموم برلين مثل تغييرا في أستراتيجية غسان سلامة التفاوضية  للوساطة في ليبيا. قبل برلين كان يركز على عملية سياسية داخلية فيما بين الليبيين دون أي أطراف خارجية وعملية سياسية شاملة وتتعدى مجلسي النواب والدولة وكان غسان يحس أنه وبعد محاولته في خريف عام 2017 لجمع الطرفين لتعديل الإتفاق السياسي الليبي وكان وراء ذلك فكرة مفادها أن جمع الليبيين معا وتقديم ما يتوصلون اليه إلى المجتمع الدولي. ولكن ما حدث في أبريل من عام 2019 دفعنا إلى تغيير أسترتيجتنا بحيث نبدأ من المجتمع الدولي وننتقل إلى الداخل. كنا نرى أن ليبيا أكبر من شخصين:حفتر والسراج أو عقيلة والمشري. لم نكن نريد مشاركة أي ليبيين في المؤتمر الدولي لأن من لا يحضر يظل يسأل لماذا حضر هذا وذاك؟ وقد حدث نفس الشيء في مرتمر باليرمو عام 2018 كما تذكر وكان هناك بعض مشاهد الإثارة ولم نكن نريد ذلك في برلين… ورفض حفتر الحضور لجلسة البيان الختامي في باليرمو وأرسل ممثلا له وهنا انسحب وفد الوفاق وكان الأمر كله فوضى ولهذا قررنا تجنب ذلك…وفي النهاية لم نكن نحن المستضيفين بل الحكومة الألمانية هي من وجه الدعوات وكما تذكر أن السيدين حفتر والسراج كانا قبل أسبوع من برلين في موسكو وما جرى هناك. عليّ القول أن السيد السراج كان دائما مؤدبا وحين تتم دعوته يأتي. على العموم لم نكن مثآترين بغياب حفتر. ومهما يكن ألتقى القادة في الجلسة الختامية ووضعوا البيان الختامي لمؤتمر برلين وتمت ترجمته إلى قرار من مجلس الأمن وهذا أدى إلى إطلاق عملية دولية مغزاها أنها تجذب الدول الأخرى وخاصة التي تتدخل في الشأن الليبي إلى العملية السياسية وهذا مدعاة إلى الأمل لأن مشاركة الأطراف الدولية يمثل ضغط على الليبيين للحفاظ على الزخم السياسي.

ولكن هل تلقيتم تأكيد من السيد حفتر أنه سيحضر الإجتماع أم لا؟

في الحقيقة نحن لم نتواصل مع السيد حفتر إلا في اليوم التالي تقريبا في مقر إقامته ولم نكن قبلها على أتصال معه أو مع وفده قبل الإجتماع في برلين لأن ذلك عمل الحكومة الألمانية وكانت المستشارة الألمانية قد أصدرت الدعوات وفي الحقيقة ألتقت السراج وحفتر صبيحة الإجتماع أو في اليوم السابق له وكان الإعتقاد إنهما سيحضران في نهاية الإجتماع حين ينتهي القادة من البيان الختامي لتتم مراجعته معهما…لم نكن على تواصل معه كما قلت بل الحكومة الألمانية هي من كانت على تواصل معه.

في المقالة التي أشرت إليها سابقا بدأ وكأنكم تلومون صمت الولايات المتحدة بخصوص ليبيا أثناء رئاسة ترمب إذ لم يكن سوى السفير نورلاند من يتحدث أحيانا عن ليبيا. هل تعتقدين الآن أن الإدارة الديمقراطية وبعد أن عينت السيد نورلاند مبعوثا خاصا إلى ليبيا صارت مهتمة بليبيا؟ 

نعم أعتقد ذلك. ومنذ وصوله إلى المشهد كان السيد نورلاند إيجابيا وسعى إلى إرسال رسالة إيجابية. أن ما حدث في أبريل 2019 [إطلاق العلمية العسكرية لإسقاط حكومة الوفاق] والأتصال الذي تم [بين حفتر ومستشار الأمن القومي بولتن].. لم نسمع ما قيل في تلك المكالمة ولكننا نتحدث هنا عن كيف تم تفسير ذلك الكلام. واضح أنه لم يكن ضواءا أحمرا واضحا بالقول [للسيد حفتر] لا تفعل هذا وأن فعلت فسوف نعارض ذلك علنا وهذا العمل ستكون له عواقب وهذا جعله يفسر فحوى المكالمة على أنها ضوء اخضر. وعليه عندما وصل نورلاند كان هناك ما يشبه التغيير في موقف الولايات المتحدة وهو ما لاحظته في آخر إفادة قدمتها إلى مجلس الأمن في نهاية يناير 2021 إذ لاحظت التغيير في ما صدر عن الولايات المتحدة أثناء اجتماع مجلس الأمن إذ كان ما صدر مباشر جدا في توجهها إلى ليبيا وكذلك في تنبيه المعرقلين أيضا. وقد كانت هناك بيانات من وزير الخارجية ومن مستشار الأمن القومي وكانت جيدة. ولكن هذا يجب أن يستمر وأعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دورا مفيدا بطريقتين: الأول يمكنها أن  تستخدم قدرتها على جمع الأطراف الدولية بقيادتها ويمكن لها، ثانيا، أن تستخدم صوتها في مجلس الأمن كما يمكنها أيضا أن تمارس الضغط على المخربين والمعرقلين المحليين. وقد رأينا كيف أن أمريكا فرضت عقوبات على “الكانيات” وتبعها الأتحاد الأوربي والمملكة المتحدة. حين تتقدم الولايات المتحدة للقيادة يتبعها الآخرون.

تعودون كثيرا إلى مجلس الأمن والمجموعة الدولية وكيف يجب أن يكون المجتمع الدولي مهتما بليبيا ولكن في الحقيقة حتى الدول التي حضرت مؤتمر برلين لم تلتزم بقرارات مجلس الأمن وظل مجلس الأمن منقسما خاصة في السنتين الأخيرتين. هل تعتقدين أن مجلس الأمن  يمكن أن يعود متحدا من جديد حول ليبيا بعد أن أعادت الولايات المتحدة اهتمامها بالملف الليبي؟

نعم أعتقد ذلك. هذا ما نسميه “فوضى النظام العالمي” التي بدأت منذ العام 2014 مع بداية أزمة أوكرانيا وهذا الأمر لن يصلح نفسه بنفسه بشكل أتوماتيكي .وفي السياق الليبي ترى الآن أن الليبيين ألتقوا مع بعضهم البعض وأعلنوا مطالبا محددة لإستعادة سيادة بلدهم كما أن القرارات الأخيرة من مجلس الأمن مهمة وأتمنى أن تحترم الدول الأخرى حظر السلاح على ليبيا. كذلك فيما يتصل بالمرتزقة فتلك الدول لن تسمح بوجودهم على أراضيها فلماذا تفعل هذا في ليبيا؟

هل تعتقدين حقا أن المرتزقة والقوات الأجنبية ستغادر ليبيا قبل أو بحلول 24 ديسمبر القادم؟

هذا سؤال جيد. لنكن واضحين هنا. كما تعلم أن لغة صياغة مطلب مغادرة القوات الأجنبية جاءت من اللجنة العسكرية المشتركة [5+5] وهم من طرح الأمر وهم من قالوا أن الوقت مناسب وهم من أتفقوا على أن هذه هي رسالتهم ومطلبهم. ليس من مهمتي أن أقول أنني سأتجاهل هذا أو أن هذا غير واقعي إنما مهمتي نقل مطلبهم هذا إلى المجتمع الدولي وأقول له: “عيب عليكم” أن لم تحترموا هذا المطلب! وفي نهاية المطاف يمكنهم المغادرة كما جاءوا! أن وجودهم يشكل تهديدا لأمن ليبيا الداخلي وأيضا لأمن الإقليم خاصة بالنظر إلى ما حدث مؤخرا في تشاد.

هل تعتقدين أن قرار خروج القوات الأجنبية من ليبيا لم يعد قرارا ليبياً؟

القرار في حد ذاته كان قرارا ليبيا محضا وصدر عن اللجنة المشتركة. أعتقد أن أعضاء اللجنة، وبعد أن أمضيت وقتا لا بأس به معهم منفردين ومجتمعين، أعتقد أنهم يحسون أن وجود الأجانب يمس كرامتهم وهو إهانة لسيادة ليبيا. أما تنفيذ القرار فهذا أمرا آخر.

هل تعتقدين أن المرتزقة والقوات الأجنبية سيغادرون ليبيا بحلول ديسمبر المقبل؟

لا يمكنني ان أجيب عن سؤال أفتراضي. ما يمكنني قوله أن وقت مغادرتهم قد حل ومضى والموعد انتهي [كان موعد المغادرة يناير الماضي] وهم يعرفون أن هذا هو القرار الصحيح وأعتقد يجب التركيز كثيرا على هذا الأمر.

ولكن هل سيغادرون حقا في اعتقادك ؟

أن هذا هو المطلب بالخصوص وأنا أتمنى أن يغادروا غدا, علينا أن تتذكر أن لجنة 5+5 تعمل مع المجموعة الأمنية الدولية وقد تم طرح هذا المطلب في لقاءات المجموعة الدولية. ولكن على الليبيين ألا يسكتوا عن هذا ويقولون لأنفهسم “خلاص” هؤلاء الناس سيكونون هنا إلى ما شاء الله…وأننا فقدنا السيطرة على القواعد مكان تواجدهم وحركتهم على الأرض…أن عدم تنفيذ المطلب لا يعني أنه مطلب غير شرعي!

السؤال من زاوية أخرى سيادة السفيرة: هل تعتقدين أن وجود المرتزقة والمقاتلين الأجانب أثناء الإنتخابات خطر على العملية الإنتخابية؟ أم لا؟

أتفق معك أنه يشكل مشكلة للعملية الانتخابية. أن وجود أي قوات ليست تحت السيطرة الليبية الكاملة يمثل خطرا. وهذا سبب آخر لمغادرتهم لأن الظروف الأمنية مهمة للعملية الإنتخابية.

هنال من يقول أنه ولتسهيل الأمر والوصول إلى الإنتخابات بأي طريقة يمكن سحب أولئك المرتزقة إلى معسكراتهم أو أماكن إقامتهم فترة الأنتخابات. فهل هذا سيناريو مقبول؟

لا أعتقد أن هذا مطروح بالنسبة للسلطات الليبية المعنية بأمن الإنتخابات. لاحظت على سبيل المثال أنه وحين أجتمع مجلس النواب في سرت قد أُتخد قرارا بإخلاء القاعدة الجوية. ولكن الوضع الأمثل هو أن يستقل هؤلاء الطائرة عائدين من حيث أتوا….بمعنى أبتعدوا أكثر ما يمكن… “برا برا”!!

هنالك رأي أخر يقول أن لجنة 5+5 ومن وراءهم في طرابلس والرجمة يعرفون أن هذا المطلب مستحيل قبوله ولهذا هم وضعوه لكي يفشل الحل السياسي بالكامل! هل هذا رأي مقبول لديك رغم أنه غير واقعي؟

حقيقة لا أعتقد ذلك لأنني أمضيت وقتا مثمرا مع المجموعة وشعرت أن هذا موضوع حساس بالنسبة إليهم جميعا. وهم يدركون أن هذا مطلبا طموحا جدا ولكنهم يشعرون أن عليهم أن يطرحوه وأنا أحترمت رغبتهم.

بالعودة إلى المجتمع الدولي وقرارات مجلس الأمن حول ليبيا  حيث لدينا الآن قرابة خمسين قرار وعدد من البيانات الأخرى وبعضها بيانات رئاسية من المجلس وأغلبها منصب على تطبيق قرارات الأمم المتحدة خاصة القرار 1970 بحظر السلاح ومنع التدخل. فلو عدنا إلى العام 2011 عندما صدر القرار 1970 وتلاه القرار 1973 نرى أن تطبيق الحظر كان قاسيا خاصة على مناطق سيطرة النظام في الغرب الليبي وكل السفن حتى التي تحمل الغذاء كانت تفتش بدقة. السؤال هو: لماذا كان ما يُسمى المجتمع الدولي متحدا في تنفيذ تلك القرارات ولماذا لم يعد المجتمع الدولي محبا للقانون كما كان يومها؟

هذا سؤال ممتاز ولهذا سأعود إلى ما قلته عن “فوضى النظام العالمي” حيث كان هناك اجماعا داخل مجلس الأمن حول ليبيا حتى أبريل  2019 وهذه الفوضى العالمية سمحت بحدوث بعض المغامرات. عليّ القول أنني لا أحب مصطلح المجتمع الدولي لأنه لا وجود له! وكنا نواجه صعوبة في شرح الأمر  لليبيين الذين يأتون إلينا متحججين بـ”المجتمع الدولي” الذي بإمكانه فعل كل شئ…لا وجود لهذا المجتمع الدولي وما هو موجود هو مصالح فقط. والأسوأ إننا كبعثة كان يفترض علينا أن نمثل هذا المجتمع الدولي [الوهمي] وهو المجتمع نفسه الذي يكذب علينا في البعثة وبشكل مستمر! وكنا نقول لليبيين لا تحدثونا عن المجتمع الدولي أنه غير موجود. ما هو موجود مصالح والقدرة على تكييف الأوضاع الدولية باتجاه معين. وبالمناسبة أعتقد أن ليبيا ليست مشكلة معقدة لأن لديها الإمكانيات الكافية [للجميع] ويتم النظر إليها على أنها ثمرة في متناول اليد وليست بعيدة المنال وفي نهاية الأمر يمكن أن يكسب الجميع، الليبيين ومصالح الدول الأخرى التي تتضارب مصالحها في ليبيا. ولقد حاولنا أن نجعل الأمر برمته شأن ليبي أقل منه شأن دولي بحيث يُسمع الصوت الليبي لأن هذا ما يريده الليبيون وكنا ننقل هذا إلى الدول المعنية وأن أستمروا في التصرف بتكبر فعليهم أن يعوا أن هذا ضد رغبة الليبيين. ليس صحيحا الإفتراض بأن مجلس الأمن سيفعل كذا وكذا ولكن يمكننا استخدام تلك الأدوات بما فيها مجلس الأمن لاستعادة بعض النظام إلى الفوضى العالمية وهو ما نحتاجه ولهذا أعتبرت أن التغيير في الإدارة في واشنطن حدث إيجابي لأنه سيعيد القيادة الأمريكية الدولية ليس في كل المجالات كما رأينا مؤخرا في موضوع أسرائيل وفلسطين.

تتحدثون كثيرا في تقاريركم عن خطورة خرق قرارات مجلس الأمن الخاصة بليبيا ولكنني لاحظت أنكم تتجنبون تذكير المجلس بأن قرار التدخل العسكري عام 2011 كان خطأ وهو ما اعترفت به دول عدة شاركت فيه حينها. 

تقاريرنا كانت تتم تقريبا كل شهرين لتقديم آخر المستجدات إلى المجلس عما حدث. وكما تعلم نحن [ أنا وغسان] نعكف على كتابة كتاب سنعلق على الثورة أو الحرب الأهلية أو أحداث عام 2011 وتدخل النيتو…سمها ما شئت… ولقد أحسست بهذا الأمر بشكل عميق أكان أثناء عملي كقائم بأعمال في السفارة الأمريكية في ليبيا أو بعدها في البعثة الأممية…فأنا خبيرة في الشرق الأوسط وقد عملت في عدد من الدول فيه ومنها العراق حيث رأيت بأم عيني ماذا فعل التدخل الأمريكي في العراق وقد كنت هناك في أحلك  الأوقات وهي حين وصلت داعش إلى أبواب بغداد وكيف كان من الصعب مثلا استعادة الأمن في أدنى درجاته إلى العراق. وبالنظر إلى كل ذلك فأنني أعتقد أن دول عديدة تتحمل المسئولية عما جرى في ليبيا وهذا ينقلنا إلى أن أحدا لم يستفد من دروس العراق ولكن على الليبيين أيضا تحمل المسئولية وتذكر أن الليبيين هم من رفض قوات حفظ السلام وأي تدخل أجنبي [بعد 2011] وقالوا إنه بإمكانهم التعامل مع المجموعات المسلحة وكان هنا نوع من الاستقرار لمدة سنة [2012] إلا أن كل ذلك أنهار بسبب تفكك المجتمع وتصاعد التدخل الدولي. 

تحديدا لماذا لم تطرحوا على مجلس الأمن الدولي بوضوح بالقول إن ما قرره المجلس في مارس 2011 كان كارثة؟

تلك لم تكن مهمتنا ولم نكن نستطيع ذلك ولكن الآن وقد غادرنا البعثة يمكننا قول ذلك.

في ذات السياق لماذا لم تذكر البعثة مجلس الأمن بوجود ضحايا مدنيين لقصف النيتو وهذا أمر مهم للمصالحة وهل أثار أي طرف ليبي هذا الموضوع معكم؟

الحقيقة هذا ليس ضمن مهمتنا. ولم يسبق لأي طرف ليبي إثارة الموضوع.

بعض الليبيين يعتقدون أن البعثة الأممية أستولت على البلد بالكامل هل هذا قول صحيح؟

طبعا لا…حتى البعثة لم تكن في ليبيا فترة طويلة وكانت تعمل من تونس حتى جاء غسان وأعادها إلى ليبيا…البعثة في ليبيا حقيقة صغيرة فليس لدينا موظفين في الوزارات وسواها مثلا…وكان دورنا هو دعم الحكومة والوساطة السياسية …بل حتى أننا لم نتمكن من زيارة الجنوب لأسباب أمنية وحتى غسان لم يزر الجنوب إلا مطلع العام الحالي…كنا أسسنا مكتب في بنغازي ولكن بعد الأعتداء على موظفينا تخلينا عن الفكرة.

هل يمكنني القول إن الليبيين ولأسباب عديدة كانوا يلجئون اليكم كثير في شؤون لا علاقة لكم بها مما ورطكم في قضايا لا تعنيكم فهل هذا صحيح؟

نعم هذا صحيح وقد جاءنا عمداء بلديات من كافة أنحاء ليبيا يشتكون أمورا محددة ليس لنا علاقة بها وكنا حين نستطيع نبلغ بها الحكومة. وأتذكر أنه في العام 2018 قامت مليشيا من الزنتان بتهديد النساء في أحد المصارف التي تديرها نساء في طرابلس وقاموا بتهديدهم وابتزازهن فتدخلنا في ذلك لحماية النساء.

من المعلوم أن حادثة الرشوة في ملتقى الحوار في تونس قد وقعت بالفعل وتم أبلاغك بها وأحلت الأمر إلى لجنة العقوبات وهي جهة مستقلة عن البعثة ولكن لم يتم نشر حقيقة ما جرى من أجل تمرير موضوع إنتخاب الرئاسي الجديد ورئيس الحكومة بسرعة. هل تتفقين مع هذا التفسير؟

سأخبرك ما أعرف. حين تم طرح الموضوع في تونس قررت فورا وأعلنت ذلك أننا علمنا ببعض المعلومات حول الرشوة ولهذا سأحيلها إلى لجنة العقوبات وقلت للجنة إليكم الأمر. وأتصلت أيضا بقائم بأعمال المدعي العام في ليبيا يومها الصديق الصور وأخبرته. البعثة لا تمتلك القدرة ولا التفويض لإجراء تحقيق من هذا النوع وكان ذلك في منتصف شهر نوفمبر وبعد مرور شهرين ونصف لم يقدم اليّ أحد أي معلومات حول الموضوع وهنا قررت الإنتقال إلى جنيف وبعد أن غادرت البعثة لم أتلقَ أي معلومات بالخصوص ولجنة العقوبات لم تطلعني على أي جديد. وهنا أؤكد على أمرين: الأول الشفافية مهمة جدا وقد كانت الشفافية مهمة في تونس وجنيف حيث تمكن الليبيون من متابعة ما يجري. والثاني أنا أعتقد بأهمية من يبلغون عن وقائع معينة ولكن عليهم أن يفعلوا ذلك في وقته وحينه فأطلاق الصافرة بعد إنتهاء المبارة لا يعني شئ!

هنالك قول إنه وفي سعيكم لإستبعاد المعرقلين وممن أسميتموهم بالديناصورات والفاسدين  وللوصل إلى الأنتخابات وبسرعة بذلتم جهد كبير على حساب بعض المبادئ منها القانون مثلا. نتيجة ذلك انتهينا إلى حكومة صدفة ومجلس رئاسي أتى بالصدفة وانهم أناس أقل ما يقال فيهم أنهم غير مؤهلين. هل هذا القول صحيح في رأيك؟

في جنيف كان لدينا عملية مفتوحة ومتكاملة للترشيحات ووصلنا حوالى 45 ترشيح وفور أن أنتهت عروض المرشحين أمرت كل موظفي البعثة بعدم التدخل وتركنا الأمر لأعضاء الملتقى ليقرروا ما يرونه وأقتصر عملنا على تقديم المساعدة اللوجستية وما شابهها وما نتج في نهاية المطاف هو عمل ليبي خالص. يمكنني أن أخبرك أنني وفي تونس علمت أن موضوع الشخصيات الجدلية كان موضوعا مهما, وكان الجدل يدور حول عقيلة بالذات وكان يتردد أسمه “عقيلة..عقيلة…” ولهذا تم الإتفاق على إجراء تصويت سري مبدئي في تونس وما نتج بعد ذلك لا يمكننا تغييره…وتلك الشخصيات الجدلية أخدت فرصتها في التصويت وتلك كانت النتيجة. ولكن الحالة الوحيدة التي سينتج عنها حكومة ليبية موحدة وشرعية هي الإنتخابات العامة. وفي نهاية المطاف كانت هناك خارطة طريق تنتهي بالإنتخابات وأتمنى، أن تتم الإنتخابات التشريعية، أن أرى طبقة سياسية جديدة بالكامل. الموجودون حاليا نالوا فرصتهم وحان الوقت لأناس جدد في ليبيا وأمل أن أرى الشباب يشاركون بقوة.

هل تعتقدين أن السيد حفتر سيقبل ما سيحدث في ديسمبر مهما كان وهل تعتقدين بتوفر أرضية فكرية وثقافية لدى عامة الليبيين تسمح باجراء انتخابات مقبولة وشفافة؟ 

بالنسبة للسيد حفتر فقد حاول. حاول أستخدام القوة العسكرية وكان مدعوما من قبل ثلثي مجلس الأمن، على الأقل، وفشل. ثم أرسل ممثليه للمشاركة في أعمال اللجنة العسكرية وكان داعما للشق السياسي في جنيف. لا يمكنني أن أتحدث عن طموحه الشخصي ولا يمكنني أن أجيب عن سؤال مفترض…وأتمنى أن يفهم هو وسواه أن هذه المشكلة لا يمكن حلها عسكريا ولا وجود لحل عسكري. في الشق الثاني لسؤالك نعم أعتقد بوجود أرضية فكرية وثقافية لإجراء الأنتخابات وأنا لا أؤمن بالفكرة القائلة أن شعوب الشرق الأوسط ليس لديها إلا خيارين: إما المسجد أو التصحر [السياسي] وأعتقد أن ليبيا يمكن أن تقدم نموذجا هنا فهي بلد سكانه متجانسين وليسوا كثر وهم واعين سياسيا ومتعلمين ومع أن المجتمع الليبي محافظ إلا أنه سياسيا ليس كذلك وليس متشدد ومن تجربتي على مدى عشر سنوات في الخليج ومصر والعراق والأردن تكوّن لدي أنطباع أن ليبيا هي مجتمع معتدل و وسطي. كما أنني لا أؤمن بفكرة الرجل القوي ولا فكرة الدين أو الشيوخ كحل للمشكلة وثبت فشل الخيارين. وهناك خيار ثالث يمكن أن تقوده ليبيا ونحن نعلم أن الليبيين يريدون الانتخابات والدليل على ذلك الانتخابات البلدية حتى أثناء الصراع العسكري جرت الانتخابات رغم أن المشاركة فيها كانت ضعيفة وهذا يدل على وجود قلب ينبض بالديمقراطية في ليبيا وهو   ما يجب المحافظة عليه وتعزيزه.

لماذا لم يضع ملتقى الحوار أي آلية حقيقة للتحقق من أن من يترشح للحكومة والمجلس الرئاسي لا يحمل جنسية دولة أخرى وهو ما تمنعه القوانين الليبيية النافذة؟

كان لدينا آلية محددة وأمر التحقق من ذلك كان موكل إلى لجنة خاصة ضمن ملتقى الحوار من ثلاثة أعضاء يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة وقد راجعت اللجنة الوثائق المقدمة من قبل كل مرشح ولا ننسى أن المرشحين كانوا أيضا ملزمين بتوقيع تعهدات تتعلق أيضا بعدم الترشح في الإنتخابات القادمة والإعلان عن ذمتهم المالية وممتلكاتهم وتمثيل المرأة بنسبة 30 في المائة في الحكومة. ونحن كبعثة لم يكن لدينا تفويض بأجراء أي تحقيق.

هل قامت لجنة التدقيق بأي إتصالات للتحقق من أن أي مرشح لا يحمل أي جنسية أخرى؟ 

لقد أتبعوا آلية محددة وأجتمعوا لساعات طويلة ولكن لا يمكنني الخوض في التفاصيل هنا.

ملتقى الحوار لم يضع آلية للملاحقة أو المعاقبة فيما لو ثبت أن أي شخص في الحكومة كذب في شأن الجنسية المزدوجة ونسبة تمثيل المرأة؟ لماذا هذا الفشل؟

عشية الخامس من فبراير وبعد أختيار السلطة التنفذية الجديدة كان رأئي أن على ملتقى الحوار ايجاد آلية للمتابعة لأنه في النهاية هو من أختار تلك السلطة وقد رأيت بعض المتابعة من كتلة النساء في الملتقى حين ألتقين بالسيد رئيس الوزراء وسؤاله عن لماذا لم يمنح النساء نسبة 30 من الحقائب الوزارية ولم يعجبني رده! 

كيف تتعاملين مع السخرية منك والهجمات عليك في وسائل التواصل الإجتماعي من قبل الليبيين؟

لقد أمضيت الجزء الأكبر من عملي في الشرق الأوسط ولهذا أقول أن بيئة وسائل التواصل الإجتماعي خاصة بعد عام 2011، وقبل ذلك ظهور القنوات الفضائية العربية مثل “العربية” و”الجزيرة”، أعتقد أن هذه غيّرت الخطاب السياسي، وهذا كان جيدا في بعض جوانبه كونه خروج على سيطرة الدولة خاصة في ليبيا. وهذا يعني أن هناك نوع من حرية التعبير ولكنني لا أعني في المطلق ولكن حين يحدث التحول من إعلام تسيطر عليه الدولة إلى بيئة إعلامية مفتوحة عليك أن تنظر إلى ذلك بنوع من التفكير النقدي لما تقرأه وأنا، كأمريكية، أعرف ذلك تماما بعد كل الذي مررنا به في أمريكا خاصة في الإنتخابات الأخيرة في بلدنا حيث تم استخدام وسائل التواصل الإجتماعي بطريقة شبه عسكرية. وفي المجمل تلك الأنتقاذات الموجهة لي لا تؤثر فيّ وغالبا أتجاهلها ولكن حدث أننا في البعثة اضطررنا إلى الإنتباه إلى وسائل التواصل الأجتماعي حين يتم توظيفها لبث خطاب الكراهية وتأجيج الصراع. وعليه كل ما قيل عني ليس مهما فأنا معتادة عليه ولكن ما يشغلني هو التحريض والكراهية وخاصة ضد المرأة عبر وسائل التواصل الإجتماعي وقد وصل الأمر إلى أن عملنا مع فيس بك لمنع وحذف تلك النوعية من الخطاب وقد قدم لي بعض المشاركين في الحوار الأخير أدلة على وجود صفحات مزورة وهو ما طلبنا من فيس بوك حذفه.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى