اخبار ليبيا اليوم

تقرير لـ”مالكوم كير كارينغي”: الأوقاف الإسلامية نقطة صراع بين الفصائل الليبية


أصدر معهد مالكوم كير كارينغي للشرق الأوسط تقريرا بعنوان “صراع الفصائل الليبية للسيطرة على الأوقاف الإسلامية”، أعده الكاتب فريدريك ويري.

وقال التقرير: “أصبحت الأوقاف الدينية والثروات المرتبطة بها في ليبيا نقطة جذب للمنافسة المحتدمة والعنيفة غالبًا بين التيارات السياسية والدينية الكثيرة في ليبيا، في عشية إحدى أمسيات نوفمبر 2015 ، وفي حوالي الساعة السادسة مساءً اقتحم خمسة مسلحين أحد المكاتب الحكومية في العاصمة الليبية طرابلس واعتقلوا مدير المكتب1. للوهلة الأولى قد تبدو هذه الحادثة اعتيادية ولا تستحق الذكر كونها واحدة من حوادث عنف عديدة تحدث كل يوم في ليبيا على يد الكتائب المسلحة التي لا تجد رادعاً يردعها من قبل الحكومات الضعيفة التي تعاقبت على حكم البلاد بعد سقوط القذافي. وينتمي منفذوا هذه العملية إلى جماعة تسمى “قوة الردع الخاصة”، وهي ميليشيات مسلحة قوية تتمركز فيطرابلس وتنضوي إسمياً تحت لواء وزارة الداخلية، ولمدة طويلة تولت القوة التي تضم بين صفوفها عدداً لا بأس به من السلفيين -تيار إسلامي أصولي -دور جهاز الشرطة وأعطت لنفسها مسئولية إنفاذ القوانين الأخلاقية في العاصمة الليبية وضواحيها.

وتابع التقرير، ولكي نتمكن من فهم ماحدث في تلك الليلة علينا أن نضع التركيبة السلفية لهذه الميليشيات نصب أعيننا وأن ننظر إلى الحادث نظرة أيديولوجية ولو جزئياً. فقد ادّعت قوة الردع الخاصة في تصريحها بشأن الحادث أن مدير المكتب كان يحرّض على الدولة ويُجنّد الشباب في المساجد لصالح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)وهو معلم قرآن سابق ومقاول مبانِ في الأربعين من عمره اسمه محمد علاء الدين التكتيك- كان يدعم ما يسمى بائتلاف فجر ليبيا، وهي حركة تضم بين صفوفها عدداً من الإسلاميين الثوريين وبعض المتعاطفين مع الجهاديين المتشددين. وبالرغم من أن رؤيته المذهبية للإسلام قد تكون مختلفة عن رؤية السلفيين.

واستطرد التقرير الواقع أن تهمة التطرف هي أبعد ما يكون عن السبب الحقيقي وراء عملية اختطاف التكتيك، والأرجح أن تكون وظيفة الرجل كرئيسٍ لوحدةِ أوقافِ طرابلس المُكلّفة بالإشراف على الأوقاف الليبية (الأوقاف الإسلامية ومفردها وقف عبارة عن أصول نقدية وعقارية) هي الدافع الأكثر مصداقية لما حدث. والأوقاف هي مؤسسة دينية لطالما حظيت بمكانة اقتصادية وسياسية وأخلاقية في ليبيا وفي كافة أرجاء العالم الإسلامي.

وتابع، قد تعرض مكتب الأوقاف الوطني، الذي ألغاه القذافي كلياً في وقت ما أثناء حكمه والذي حمل مسميات عدة منها الوزارة والهيئة والسلطة، هووفروعه في أنحاء البلاد لمنافسات شرسة و أحياناً عنيفة من الفصائل السياسية المتنازعة منذ زوال الديكتاتور في 2011. وهي منافسات أضعفت قدرة هيئة الأوقاف على إدارة الإيرادات المالية الكبيرة التي تُحصّلها من تأجير المباني والعقارات وغيرها من الأصول الموقوفة ، وأعجزتها عن أداء باقي مسئولياتها من الإشراف على تحصيل وتوزيع الزكاة (الزكاة هي مبلغ سنوي إلزامي يتصدق به المسلم)، بالإضافة إلى توجيه الخطاب الإسلامي من خلال تعيين معلمي القرآن و أئمة وخطباء المساجد (الخطباء يلقون خطبة الجمعة والأئمة يتولون إدارة كافة شئون المسجد). وكلها مسئوليات لها تداعيات كبيرة على الشئون السياسية والاقتصادية الليبية وتتجاوز الدور الديني الإسمي للهيئة العامة للأوقاف والشئون الإسلامية كما تُعرف حالياً في طرابلس.

وبحسب أحد الباحثين الدينيين من قادة المجتمع الليبي فالهيئة تعتبر ” أكثر أهمية من الرئاسة”. وبحسب باحث ليبي آخر من دارسي التيارات الدينية في البلاد “عندما تسيطر عليها تحصل على الهيبة والمال” ويؤكد أحد قادة المجتمع من رجال الدين أن الموارد المالية للهيئة وقدرتها على تشكيل الرأي الشعبي يجعل السيطرة عليها “أهم من السيطرة على قطاع النفط”.

وبالرغم من قوة هذه العبارات التي تؤكد أهمية الأوقاف والتي بالطبع قد تجد من يخالفها، إلا أن المعركة التي نشبتحول الأوقاف استمدت وقودها منصراعات أخرى شديدة الأهمية، خضعت لكثير من البحث والتحليل، استهدفت السيطرة والتأثيرعلى المصرف المركزي وهيئة الاستثمار والمؤسسة الوطنية للنفط والقطاع الأمني الليبي.

وأردف التقرير، الحقيقة أن النزاعات حول سلطة الأوقاف قد وجّهت الدور الذي تؤديه هذه الهيئة الهامة و حددت طبيعة سلطتها وأدّت في الوقت نفسه إلى الإضرار بالاقتصاد الليبي المتردي أصلاً وإلى تأجيج الاضطرابات السياسية وتوسيع الفُرقة المجتمعية وفي بعض الأحيان إلى اندلاع العنف. وقد عانى العاملون بمكاتب الأوقاف من كل هذه المحن معاناة كبيرة ودفعوا من أمانهم الشخصي أغلى الأثمان .

وتابع، ترجع تلك الرغبة التنافسية للسيطرة على الأوقاف وما تمثله من سلطة سياسية واجتماعية واقتصادية، في مجملها، إلى ما تعرضت له الهيئة من قمع امتد أحقاباً في ظل الحكم للزعيم القذافي وما سبقه أثناء الفترة التكوينية للحكم الاستعماري الإيطالي الذي امتد من 1911 إلي 1943. أما في المرحلة التي أعقبت ثورة 2011 والتي أطاحت بالقذافي، فإن التنافس للسيطرة على الأوقاف يعكس مدى التشرذم الذي أصاب الوضع السياسي عموماً وما وصلت إليه البلاد من إفراط في الإنكفاء على المحلية وتردي الوضع ليصل إلى الصراعات المسلحة. ولا شك أن هذه الفوضى العارمة في حد ذاتها ماهي إلا نتيجة لضعف أو انعدام المؤسسات الحاكمة، والصراعات بين النخبة في البلاد، وتنامي التدخل الخارجي خاصة من قِبَل القوى الإقليمية المتنافسة وعلى رأسها تركيا والإمارات العربية المتحدة بما يحملانه من رُؤَى مختلفة لما يجب أن تكون عليه الأوضاع السياسية والايديولوجية في الشرق الأوسط.

واستطرد التقرير، تجسد المنافسة، تحديداً،التوترات القائمة بين السلطتين الوطنية والمحلية، وما تتعرض له عوائد النفط من عمليات السلب والنهب وكذلك استسهال اللجوء للحلول العسكرية عوضاً عن الحلول السياسية التي أصبحت لا تثمر عن شئ. وفي أعقاب ثورة 2011 دخلت الأوقاف في إشكالات مع العديد من المواطنين للمطالبة بهذه الحيازات. ولكن عدم وجود سجلات تحتوي على مسح دقيق للأراضي جعل عملية تحديد الملكية في غاية الصعوبة12، خاصة أن بعض المواطنين الليبيين قد حاولوا الاستيلاء على الأصول العقارية التابعة لوزارة الأوقاف أحياناً، مما أثار مخاوف السلطات الدينية ودفعها لإصدار التحذيرات المتكررة.





مصدر الخبر

زر الذهاب إلى الأعلى