العالمالمغرب

المغرب وأزمة الهوية المعمارية – بوابة أفريقيا الإخبارية


هناك مفارقة غريبة تثيرني في كل مرة، ففي الوقت الذي عرفت فيه أمتنا عبر التاريخ ثقافة أصيلة ومتميزة في مجال الهندسة المعمارية، نجد المغرب واحداً ضمن عدد قليل من البلدان التي تعاني اليوم من خلل في هويته المعمارية، وهو ما أثر بشكل جلي على المدن والعمران. لقد أضحت العمارة التقليدية، الممثلة في القصبات والمدن القديمة وكذلك العمارة الاستعمارية، المرجع الوحيد المعتمد من قبل المهندسين المعماريين والباحثين والمدرسين والزوار والسياح… إنّ معظم الأبنية والدراسات التي تنتج اليوم مستوردة من نماذج أجنبية، وهو ما يفسر تدهورها السريع وعدم استدامتها. والمفارقة واضحة للعيان، حيث نجد المدن القديمة صامدة لعدة قرون، في الوقت الذي تشهد المناطق المحدثة في محيطها تدهوراً سريعاً، كما تعاني هذه النماذج المستوردة من عدم ملاءمتها للاستخدام المغربي، وهو ما يعبر عنه على سبيل المثال إغلاق الشرفات والواجهات… إنها ردود الفعل التلقائية التي تعبر عن أزمة تعايش هذه النماذج المستوردة مع طريقة حياة المغاربة، ناهيك عن جودة البناء والتكيف مع السياقات المحليّة.

من خلال دراستنا للعمارة، نجد أن التعريف اللائق بها، هي أنها ثمرة للتفاعل بين الإنسان والبيئة والمهندس المعماري، وهي التي تحقق لهذا الإنسان الحد الكافي من متطلباته البيئية، والحد الأدنى من الشروط الصحية اللازمة لمعيشته، وهو ما ينعكس بدوره على درجة نوعية وكفاءة البيئة، ومدى انتماء الفرد لتلك البيئة، والتزامه ووعيه بالمحافظة عليها. وفي ما يخص العلاقة ما بين العمارة والبيئات المحلية، فإن كثيراً من المباني المعاصرة تجاهلت عوامل البيئة حتى هيمنت القشرة الزجاجية على مبانيها، وتوجهت المساكن إلى الخارج بدل الداخل، وانكشفت فتحاتها على أشعة الشمس المباشرة، إضافة إلى أنّ المسطحات الزجاجية تعتبر المصدر الرئيسي لنفاذ الحرارة إلى داخل المبنى. والزجاج كما هو معروف يزيد من النفاذ الحراري إلى الداخل بمقدار يفوق كثيراً النفاذ الذي يحدث من خلال الأسطح المعتمة، كما أنّ القشرة الزجاجية خاصة في المباني التجارية والمكتبية والمُحكمة الإغلاق والتي تعتمد على التكييف والتبريد الميكانيكي تعرّض هذه المباني للأشعة المباشرة، حيث تتراكم وتتكدس تأثيراتها داخلها، ما ينعكس سلباً على الاقتصاد الوطني والقطاع الكهربائي على وجه الخصوص. كما أن اللمسة الإنسانية قد اختفت في المباني العصرية، وحلّت مكانها الآلة، فالتصميم الفني للعمارات الشاهقة بعيد عن لمسة الإنسان، على عكس الحميمية التي تنسجها علاقة اليد مع الطين، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن نرجع إلى الطين، لكننا بحاجة إلى هذه العلاقة الحميمية حتى بأشكال بيوتنا.

إن ضعف الأداء المعماري أدى إلى طغيان التنافر البصري، ونجد هذا واضحاً ليس في المدن المعاصرة فقط بل حتى في المدن التاريخية أو الأثرية القديمة، نتيجة لهجوم البنايات الإسمنتية ذات الألوان والأشكال الهندسية “الغربية” التي أثرت على طابع تلك المدن التي امتاز بعضها بالقدسية الدينية، وإقحامها في قلب النسيج العمراني بلا أية ضوابط، لذا فالداخل إلى هذه المدن اليوم يشعر بأنه مغترب في بيئة اعتاد أن يرى بساطتها وتناغم بناياتها وانسجام ألوانها، كما في فاس ومراكش والرباط. والحقيقة أنّ طريقة تسيير مكاتب المهندسين المعماريين في المغرب يفسر جزئياً ضعف نوعية الإنتاج المعماري. فهيكلة هذه المكاتب غالباً ما تعتمد على المهندس بصفته رئيس المشروع وصاحبه ومديره، وهو بهذه الصفات يقضي القليل من الوقت في مكتبه لتصميم المشاريع لأنه غالباً ما يكون خارجه من أجل البحث على مشاريع جديدة، ولذلك فهو يترك المشاريع لينجزها تقنيو الرسم والتصميم.في أوروبا تشارف مهنة الرسام أو المصمم على الانتهاء، فهناك يقوم المهندسون المعماريون المتدربون بالمشاركة في التصميم. ومما يسهل ذلك هو إلزام المتخرجين الجدد بالتدريب الإلزامي لمدة سنتين.

إنّ ضعف الإنتاج المغربي هو ما يفسر انعدام وجود مهندس مغربي معترف به دولياً، كما أنّ المجلات المتخصصة في فن العمارة لا تستند إلى نماذج مغربية، في الوقت الذي نجحت فيه دول عربية وأفريقية في ذلك، بل والأخطر من ذلك هو الإذلال الذي يعاني منه بعض المهندسين المعماريين بسبب النظام المعتمد في المشاريع الكبرى، حيث عادة ما يتم اعتماد المهندسين الأجانب المرموقين للترويج لهذه المشاريع، في الوقت يستعين فيه هؤلاء المهندسون النجوم بالمهندس المعماري المغربي للحصول على التصاريح من السلطات المغربية، وذلك باعتماد توقيعه، وهو ما يجعله مجرد آلية قانونية لتحمل المسؤولية القانونية… والتي قد تكون في بعض الحالات كارثية، في حين أنه مقصي من إبداء آرائه من الناحية الفنية والإبداعية. أعتقد أنه مجرد صاحب توقيع ترف، وهذه قمة الاستهتار بالكفاءة المغربية وبالتراث المعماري الغني الذي يزخر به المغرب… 

إنّ البلدان في الوقت الراهن تبني اقتصادياتها على الصورة المعاصرة للمدن، وليس فقط على ثرواتهم المادية، لذلك فهي تولي عناية خاصة بخصوصيات الهندسة المعمارية… إننا بالفعل أمام مفارقة عجيبة، يتعين على الجميع مواجهتها حتى ننقذ مستقبل مدننا وهويتنا المعمارية.

كاتب صحفي من المغرب.





مصدر الخبر

زر الذهاب إلى الأعلى